انتقل إلى المحتوى

الحجاب في الإسلام – ماذا يقول القرآن

هذا النص مأخوذ من الموقع: http://ostervald.free.fr/muslim/levoile.htm

بعد دراساته في جامعة الأزهر في القاهرة، يحصل محمود عزب على دكتوراه في الدراسات السامية من جامعة السوربون سنة 1978 في فرنسا. كان أستاذ اللغات السامية في جامعة الأزهر في القاهرة، والأستاذ المكلّف بالتعليم الثنائي اللغة في عديد من الجامعات الأفريقية (النيجر، تشاد). بالإضافة إلى ذلك، شغل منصب مفوّض جامعة الأزهر في المؤتمرات الدولية للحوار بين الثقافات. تمّ تعيينه سنة 1996 في باريس كأستاذ مساعد للغة العربية الفصحى في المؤسسة الوطنية لللغات والحضارات الشرقية حيث يشغل رئيس قسم الدراسات الإسامية منذ سنة 2002.

الممارسات تعبّر عن الإسلام ’’الحقيقي‘‘؟ سالت الأجوبة من كل مكان،التقريبية منها أو حتّى الخاطئة. تعدّدت وتضاربت المواقف؛ كثيراً ما يسكن الجهل في النفوس.

بدا لنا أنه من المهم مناقشة هذا الموضوع مع خبير في الإسلام، الأستاذ محمود عزب، لينوّرنا على الإسلام، من خلال تزويدنا بالعلامات التاريخية والأكاديمية للنص المؤسس للديانة. فيفسر لنا العقيدة الدينية وتطورها اللذان يختلفان كل الاختلاف عن ممارسات الإسلام المألوفة. لقد نظّمنا معه سلسلة مقابلات حول المواضيع التي تعترض المجتمعات الغربية والجاليات الإسلامية، خصوصاً في فرنسا. المقابلة الأولى كانت تدور حول الرجم. اليوم، نبحث في مسألة ’’الحجاب‘‘ عند المرأة.

آرثر نورل: حضرة الأستاذ، قبل التطرق مباشرةً إلى موضوع الحجاب عند المرأة في الإسلام، هل من إطار شامل لوضع المرأة تودّون طرحه كي يتمكن قراءنا من مرافقتنا في رحلتنا في التاريخ والنصوص المقدّسة التي نقترحها عليهم؟

الأستاذ محمود عزب: لمعالجة موضوع الحجاب في الإسلام، يجب أولاً معرفة وضع المرأة العربية في مجتمع ما قبل الإسلام، ومقارنته مع وضع المرأة في المجتمع اليهودي المسيحي الكتابي، بالإضافة إلى وضعها في الثقافتين اليونانية والمصرية.إنّه من خلال درسنا التاريخ والإطار الاجتماعي، نستطيع شرح وفهم موقف القرآن والإسلام في ذلك العصر بالنسبةللمرأة.
المرأة في المجتمع اليوناني، على سبيل المثال، لم يكن ينظر إليها كـ’’أداة رغبة‘‘. علاقة المتعة كانت مدعاة فخر بين الرجال. عند اليونان، كانت مرتبة المرأة أدنى إلى حد كبيرمن مرتبة الرجل. الفلاسفة اليونانيون كانوا جميعهم رجالاً.
لنمعن النظر في وضع المرأة في مجتمع ما قبل الإسلام في شبه الجزيرة العربية خلال فترة تاريخية بعيدة جداً عن ظهور الإسلام. نعلم أنّ النساء بالإجمال كنّ يتمتّعن بمركز قوي؛ حرية وحقوق أكثر أهمية منها عند الرجل. كان للمرأة الحق بتطليق زوجها. العكس كان ممنوعاً. هل تذكرون بلقيس، ملكة سبأ. العهد القديم والقرآن (سورة النمل) يضعانها في مرتبة مميزة: جميلة، قوية، ذكية. حذار، كل هذا يعود إلى زمن بعيد جداً في التاريخ قبل ظهور الإسلام!

أ.ن: هل أنّ هذه ’’الحرية‘‘ عند المرأة كانت تطبّق في كل المجالات أو كان هناك قيود؟

م.ع: تقليد آخر ينقله إلينا مؤرخو حقبة ما قبل الإسلام يصدّق على حرية المرأة. عندما كان الرجل يعود إلى خيمته ليجد بابها ظهره إلى الخارج (معاكساً إذاً لاتّجاه تعليقه الطبيعي)، كان ذلك يعني أنّ الدخول ممنوع عليه، مؤقتاً أو بصورة دائمة. في تلك الحقبة، كان للمرأة الحق بمجامعة الرجال التي تختارهم قبل الزواج. عندما كانت تجد نفسها حاملاً، وحتّى قبل ولادة الطفل، كانت تختار من بين عشاقها من سيأخذ على عاتقه أبوّة الطفل، الذي ربّما يكون من رجل آخر. بالطبع كانت تختار الأقوى أو الأغنى أو الأبرع إلخ.

أ.ن: أليست هذه صيغ نظرية واستنتاجية لتبرير القواعد الصارمة التي يأتي بها الإسلام حول موضوع المرأة؟

م.ع: لا. كثير من العلماء، المؤرخين، وعلماء المجتمع، ينظرون إلى القرآن كوثيقة تحكي عن زمن وتتناول موضوع الحياة اليومية، أكثر منه ككتاب ديني. ويلاحظون بحقّ أنّ النص الإسلامي يصرّ في الأغلب على المحرمات. عندما يقول النص ’’لا تفعلوا‘‘، ذلك يعني أنّ هذه الممارسة، المحرمة منذ ذلك الوقت، كانت موجودة ومنتشرة قبل ظهور الإسلام. على سبيل المثال، كانت العادة، قبل ظهور الإسلام، أن يقوم الرجال والنساء بالحجّ الوثني حول الكعبة وهم عراة. لهذا السبب يحرّم الإسلام العري عند الصلاة والحجّ. كالعادة، لنتمكن من فهم أي قانون، من الضروري جداً أن ننكبّ على الإطار الاجتماعي الثقافي، الروحي والاقتصادي لتكوين هذه الفئة الاجتماعية الجديدة التي سمّيناها ’’المسلمين‘‘.

أ.ن: أهكذا نفسّر القانون الذي فرضه الإسلام بتحريم دفن البنات عند الولادة (وهنّ على قيد الحياة)؟

م.ع: أجل. كانت هذه ممارسة شائعة جداً قبل ظهور الإسلام، والتي أتى النص القرآني ليحرّمها بشكل رسمي ونهائي. أضيف بالتالي أنّه إذا كان العقاب الذي يرافق التحريم شديداًً، فلأنّ الفعل المحظور منذئذٍ كان واسع الانتشار.

أ.ن: تقولون إنّ النساء كنّ يتمتعن بحقوق أكثر من الرجال وكنّ أكثر حرية واستقلالاً منهم، ومع ذلك، كانت البنات تدفن على قيد الحياة عند الولادة باعتبار أنهن غير نافعات. ألا يعدّ هذا تناقضاً؟

م.ع: ما أخبركم إياه عن الحرية الواسعة التي كانت تتمتّع بها المرأة، يعود إلى حقبة بعيدة جداً عن زمن ظهور الإسلام. لكن بما أنّ الرجل كانوا محرومين من حقوقهم، بدأوا يصرّون عليها وعكسوا مجرى التاريخ بتغيير الحالة تدريجياً.على ذلك، وبصورة متوازية، تدهور وضع المرأة وتفوّق الرجل بشكل شبه تام يشبه الانتقام. هذا دليل على حوار التاريخ المشابه لحركة رقّاص الساعة. كلما اقتربنا من ظهور الإسلام، كلما أصبحت المرأة في وضع لا تحسد عليه.

أ.ن: قبيل ظهور الإسلام، كان وضع المرأة إذاً متدهوراً بشكل خطير نسبةً إلى ما كان عليه قبل ذلك ببضعة قرون. كيف يتجلّى هذا التدهور؟

م.ع: في عدّة طرق. لقد سبق أن تكلمنا عن دفن المواليد الإناث. نبذ المرأة من قبل زوجها يتركها دون أية حقوق وأي ملجأ. هذه عاقبة منظورة لتدهور وضع المرأة. عندما ننظر إلى مجتمع ما قبل الإسلام، إلى زمن قريب من ظهور الإسلام، أي زمن كانت المرأة فيه تخضع للرجل، ندرك أنّ الرجل كان يتزوّج وفقاً لرغبته العدد الذي يحلو له من النساء،وفي نفس الوقت؛ واللواتي في أغلب الحالات يعتمدن عليه للعيش.كذلك، كان بإمكان الرجل أن ينبذ قدر ما يريد من زوجاته، دون أن يكون عليه أي واجب قانوني حيوي تجاههن. هؤلاء النساء اللواتي كنّ يعتمدن على أزواجهن، سرعان ما يجدن أنفسهن في حياة البؤس. عندما لا يؤدّي بهن الأمر إلى أن يصبحن عبيداً بحصر المعنى، كنّ يستسلمن للبغاء الذي هو أبشع أشكال العبودية. وكي تجذبن الانتباه، كنّ يكشفن عن صدورهن، على مثال العاهرات المقدّسات المعروفات في بلاد ما بين النهرين والهند، وهما منطقتا تجارة وتبادل ثقافي وبشري كبير مع شبه الجزيرة العربية.

أ.ن: إنّ القرآن إذاً يطلب من النساء اللواتي يعشن في البؤس ومكشوفات الصدر أن ترتدين الحجاب؟

م.ع: يتعمّم الحجاب مع الإسلام كرمز لكرامة استرجعت، في ذلك العصر. يطلب الدين من المرأة التي تعتنق الإسلام أن ترتدي الحجاب ليكون بالإمكان تمييزها عن العبيد؛ كأنها طريقة ليقول لكل امرأة: ’’لسنا بحاجة إلى بيع أنفسنا (لأن نكون عبيداً)؛ فالدين الجديد جعل لنا مكانة وأصبح لدينا حقوقاً. أزواجنا لم يعد بامكانهم نبذنا بسبب أو بدون سبب، وإن أرادوا الطلاق فسبل العيش محفوظة‘‘.
بالتالي للحجاب أهميته فقط من ناحية الإطار الاجتماعي الثقافي الذي ظهر فيه. إنّه ليس إذاً مبدأً أساسياً للإسلام.

أ.ن: تقولون لنا إنّه في أيام الإسلام الأولى كان الحجاب يشكّل رمزاً واضحاً ’’لتحرّر‘‘ المرأة. هل هناك عناصر أخرى في النص المقدّس تشهد على هذه الإرادة للإسلام لتحرير المرأة وجعلها مساوية للرجل؟

م.ع: في ديانتي الوحي التوحيديتين الأخريين، اليهودية والمسيحية، جُعلت المرأة المسؤولة الوحيدة عن الإقصاء من الفردوس. في العهد القديم، تعتبر حوّاء المسؤولة عن الخطيئة الأصلية. الحيّة أغرت حوّاء التي بدورها أغرت آدم. لهذا السبب في كتاب التكوين، عاقبهم الله كلّهم؛ فلعن الحيّة وحكم عليها بالزحف على بطنها وأكل التراب، وعلى المرأة بأوجاع الولادة و’’الخضوع‘‘ للرجل.
في القرآن، يتوجّه الله إلى ’’بطلي‘‘ الفردوس (آدم وحوّاء). يستخدم صيغة المثنى. يضع النص القرآني الرجل والمرأة على نفس قدر المساواة في المسؤولية. لكن للأسف، التفسيرات القرآنية التي هي في الغالب ثمرة مجهود بشري، سيتلاعب بها وسيقال إنّ حوّاء هي التي حثّت آدم على أكل ثمرة الشجرة المحرّمة. القرآن يقول عكس ذلك. ’’الشيطان أغوى الاثنين معاً.‘‘ إن كنت أصر على هذه الرواية الكتابية والقرآنية، فذلك لأقول إنّها تتمتّع بتأثير كبير على مر القرون على وعي ورؤية الشعوب، لا لأحكم على النصوص المقدسة. أعود للإنجيل لأعبّر ببساطة عن تطوّر العناصر المشتركة في الحضارات السامية التوحيدية.

أ.ن: كيف يطرح القرآن موضوع الحجاب؟

م.ع: يتطرّق القرآن إلى موضوع الحجاب ثمان مرّات وليس مرّة واحدة للإشارة إلى الثوب الذي على المرأة أن تغطّي به رأسها.

أ.ن: هل بإمكانكم أن تعطونا مراجع السور الثمانية موضوع نقاشنا؟

م.ع: في السورة 7، الآية 46، النص الذي يتكلّم عن الآخرة يقول: [ وبينهما حجاب (بين الجنة وجهنم).] هنا، كلمة الحجاب تأخذ بوضوح معنى ستارة فصل، كما في السور السبع الأخرى، حتّى ولو كان السياق مختلفاً.
السورة 17، الآية 45، تتكلّم عن الحماية ’’الافتراضية‘‘التي يقدّمها الله لنبيّه عندما يقرأ القرآن: [وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً ].
السورة 19، الآية 17، كلمة حجاب هنا تأتي لتجسيد المسافة الجغرافية التي نقيمها طوعاً بيننا وبين الآخرين: [ واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً (16) فاتّخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثّل لها بشراً سوياً (17) ].
في السورة 33، الآية 53، يدلّ النص المدعوين إلى دخول بيت الرسول وتناول الطعام ربّما، إلى السلوك الذي عليهم أن يتبعوه. توصيهم السورة بعدم التأخّر بعد الأكل وبالمغادرة دون التطرّق إلى الأحاديث المعتادة بعد الطعام. ويضيف: [ وإذا سألتموهن متاعاً فسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن…]. هنا أيضاً، كلمة حجاب تعني الستارة وليس الحجاب الذي يوضع على رأس المرأة. ولا يجب القيام بذلك من وراء حجاب إلاّ فقط عند مخاطبة نساء النبي.
في السورة الشاعرية 38، الآية 33 تتكلّم عن الحجاب بمعنى ’’الشفق‘‘: [ إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد (31) فقال إنّي أحببت حبّ الخير عن ذكر ربّي حتّى توارت بالحجاب (32) ردّوها علي فطفق مسحاً بالسوق والأعناق (33) ].
السورة 41، الآية 5 تتكلّم عن الذين ينحرفون عن نداء النبي: [ وقالوا قلوبنا في أكنّة ممّا تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إنّنا عاملون ]. نرى بكل وضوح هنا كيف أنّ الحجاب يمكن أن يكون إيجابياً،بالحفاظ على المؤمن المعرّض للاستسلام إلى مفاتن زوجات النبي، أو سلبياً، بما أنّه يمنع البعض من سماع نداء الإيمان الجديد.
السورة 42، الآية 51، تتناول الكلام الذي يمرّره الله إلى الإنسان: [ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنّه عليّ حكيم ].
في السورة 83 الآية 15، أخيراً، يحذّر النص المؤمنين من مصيرهم: [ كلاّ إنّهم عن ربّهم يومئذ لمحجوبون (83) ثمّ يقال هذا الذي كنتم به تكذبون (84)].

أ.ن: تقولون لنا إذاً إنّ المسلمين الذين يستعملون كلمة ’’حجاب‘‘ ليشيروا إلى الغطاء الذي يكسو رأس المرأة يأتون بتفسير خاطئ؟

م.ع: نعم. يجيئون بتفسير لغوي خاطئ بالنسبة إلى مفردات القرآن. والنساء المسلمات اللواتي يقلن إنّ الحجاب مذكور في القرآن يسئن فهم معنى الكلمة. عليهن أن يفهمن المعنى المعطى للكلمة.

أ.ن: وراء هذا التفسير الخاطئ، هؤلاء الذين يحثّون النساء على ارتداء الحجاب، ألا يأتون بتفسيرات خاطئة أخرى؟

م.ع: إلى التفسير الخاطئ لللغّة، يجب إضافة تفسير خاطئ للهدف.
التفسير الخاطئ للهدف هو التالي: كان على الحجاب أن يدلّ على النساء المحررات من العبودية، لانضمامهن إلى الديانة الجديدة. عندئذٍ سيأخذ المجتمع على عاتقه حاجات اللواتي لا يتوصلن إلى إعالة أنفسهن. إنّه ’’تحرير‘‘ إذاً، في ذلك العصر. أشدّد على كلمة ’’في ذلك العصر‘‘، لأنّ اليوم، في كثير من الحالات، يتجلّى الحجاب كاستعباد للمرأة، فيولد بالتالي نتيجة معكوسة للنتيجة المفترض عليه بلوغها. ماذا يجب أن نفضّل؟ الحجاب بأي ثمن، أو إمتداده المعنوي؟ هل علينا أن نفضّل الشكل على الحريّة؟
السؤال الذي نطرحه في الواقع هو عن تاريخية النص. لقد نزل الوحي الإلهي على مر اثنين وعشرين سنة من الحياة النبوية. خلال تلك الفترة، دعا النبي إلى تحكيم العقل لجعل الوحي، الذي لا يناقضه، منسجماًً مع الواقع.

أ.ن: هل يوصي القرآن جميع النساء بتغطية رؤوسهن وأكتافهن ؟ وكيف يفعل ذلك؟

م.ع: لا يتناول القرآن موضوع ثياب المرأة إلاّ في الإطار العام للحياة الاجتماعية، التربية والعائلة. إنّه يدعو إلى الحشمة.

أ.ن: تقولون حشمة، وهذه الكلمة، الشائع استعمالها بصورة خاصة من قبل النساء اللواتي يرتدين الحجاب، تحمل معنىً ضمنياً جنسياً واضحاً. ألا يجب بالأحرى التكلّم عن اللياقة بدلاً من الحشمة؟

م.ع: ربما تكونون على حقّ؟ القرآن يهدف أوّلاً إلى الحفاظ على المجتمع. وفي هذه القراءة، يدعو إلى مزيد من اللياقة أكثر منه إلى الحشمة مع معناها الضمني الجنسي، أقلّه عندما يتكلّم عن الثياب. لكن الوصايا التي تهدف إلى اللياقة في اللباس لا تتعلّق إلاّ بالمرأة ! وهذا خطأ عظيم اقترفه المفسرّون الذين لم يتمعّنوا في دراسة النصوص. في كل مرّة يتكلّم فيها القرآن عن اللباس، فإنّه يتوجّه إلى الجنسين، إلى الرجال والنساء معاً.

أ.ن: على سبيل المثال ؟

م.ع: السورة 24، الآية 30 و31: [ قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أذكى لهم إنّ الله خبير بما يصنعون (30) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلاّ ما ظهر منها وليضربن ’’بخمرهن‘‘’’على جيوبهن‘‘ولا يبدين زينتهن إلاّ لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن…]. على قراءات النص، اليوم، أن تنوّرنا على نقطة أساسية وهي الصلة بين الغاية (الغايات) والوسيلة (الوسائل)، أو أيضاً أن تعلّمنا أن نميّز بين الثابت والمتغيّر، الثابت هو الهدف،والمتغيّر هو الوسيلة المعمول بها لبلوغ الهدف. في هذه الحالة، في السورة 24، الهدف هو أن يكون الرجال والنساء أحراراً ومحتشمين. إنّه الجزء الثابت من الرسالة، أي مقصودها الروحي. الوسيلة إذاً ثانوية.

أ.ن: أين يشير القرآن إلى النساء أن يغطّين صدورهن؟

م.ع: سورة النور التي استشهدنا بها للتو تقول: [ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ]. تساؤلنا عن الخمار، يفتح أمامنا باباً مهمّاً للنقاش: التفسير الأصح المتوافق عليه هو الثوب الواسع. في عصر ما قبل الإسلام، كان الشاعر متكلّماً عن جمال المرأة الحسناء، يذكر ’’جيوبها‘‘ ويعلمنا أنّها كانت تترك صدرها’’عارياً‘‘، أي مرئياً. النص المقدّس إذاً يدعو المرأة إلى عدم إظهار ثدييها وإلى تغطية صدرها بملابس فضفاضة؛ أن لا تتكشّف إلاّ أمام أخصّائها؛ أن لا يكون أسلوبها مثيراً. إنّ هذه الوصية، في الواقع، ليست خارجة عن المألوف. وهذه الدعوة للرزانة موجودة في الديانات التوحيدية الثلاث. في الإسلام، هذه الدعوة موجّهة للنساء أكثر منها للرجال.

أ.ن: هل علينا أن نفهم من حديثكم أنّ ’’الخمار‘‘ هو رداء فوق الكتفين أكثر منه حجاب يغطّي الرأس نزولاً حتّى الصدر أيضاً؟

م.ع: بالضبط. المعلّقون القدماء، كالطبري مثلاً، كانوا ربّما أكثر قرباً من المعنى الدقيق للنص لأنّهم كانوا يعلمون إلى ماذا كان يشير بدقّة وما كان شرطه الأساسي، وأنّ النص المقدّس سيغيّره لذلك السبب. بما أن بعض النساء، قبل ظهور الإسلام، كنّ يظهرن عاريات الصدر للأسباب المذكورة سابقاً، يأتي النص ليصحّح تأثيرات حالة مجحفة بحقوق المرأة. وبالتالي، فإنّ نهجه الأساسي، الغاية الرئيسية، ليس تغطية الرأس بحجاب أو عدمه، أو ثديي المرأة، إنّما منحها الحرية والحماية نسبةً إلى البيئة التي كانت تعيش فيها. أمّا اليوم، إن كانت هذه البيئة ترى في الحجاب خضوعاً، عندئذٍ، تستطيع المرأة، كي تعبّر عن حريّتها التي منحها لها الإسلام، أن تظهر مكشوفة الرأس!
يتنبّأ القرآن بنوع من حلّ ’’تقني‘‘ للوصول للغاية (الثابتة). الحل التقني لخضوع المرأة، في ذلك العصر، كان الحجاب. الثابت هو إذاً حرية الرجال والنساء والمساواة بينهما. لذلك، من الضروري الإبقاء فقط على الثابت. الحجاب وسيلة وليس غاية. إنّه من المتغيّرات. إنّه ما يقوله لنا المعلّقون القدماء عندما يفسّرون لنا أنّه علينا أن نفهم القرآن نسبةّ إلى ما يسبقه وإلى إطاره التاريخي والجغرافي. كان وضع المرأة رديئاً بصورة مطلقة في زمن قريب من ظهور الإسلام، فأتى الإسلام ليحسّن هذا الوضع. إذا تدهور حال المرأة من جديد، اليوم مثلاً، فعلى روح القرآن أن يغلب على التفسير. هذا الروح هو تحرير للمستضعفات. إنّه الجزء الثابت من الرسالة. الوسيلة المستخدمة هي من المتغيّرات.

أ.ن: إلى من تتوجّه وصايا الملبس في القرآن وما هو إطارها؟

م.ع: في السورة 33، الآية 59، يعطينا القرآن قائمة محددة بما يجب القيام به وإلى من يتوجه ذلك؟
[ يا أيّها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً ].
الجلباب هو ما يلبس فوق الثياب، وهذا لا يشير بشيء إلى وجوب تغطية الرأس. لغطاء الرأس صلة أكبر مع عادات الراحة، أكثر منه مع أي رمز ديني.
يكفي أن نرى امرأة (أو رجلاً!)، في الغرب أو في الشرق الإسلامي، في الحقل، في الصحراء أو في البحر، كي نفهم أنّه يمكن للمرء أن يعمل براحة أكثر وشعره مرفوع، ورأسه محمي من حرارة الشمس. علاوة على ذلك، فإنّ القرآن لا يدعو الإنسان إلى ’’الإختباء‘‘ من خلال تغطية نفسه، إنّما إلى ’’إظهار نفسه للآخرين ككائن حر‘‘.
لا يكمن هدف هذه السورة في ’’تمويه‘‘ المفاتن الأنثوية، إنّما بالسماح للنساء، اللواتي كنّ في الماضي أدواة رغبة منقّصة لحريتهن، بتأكيد أنهن منذ الآن حرّات. هذا ما يجب التمسّك به. وأكرّر: إن كان الحجاب اليوم يدلّ على خضوع المرأة، فإنّه من الضروري والملحّ على النساء أن يطرحنه جانباً. كي نستطيع الإجابة على هذا السؤال، علينا أن نسأل أنفسنا إن كان الإسلام يدعو إلى الخضوع؟ ولمن؟ للإنسان أو لله؟ في هذا الإطار، يكون ’’الغطاء‘‘ موجّهاً إلى جميع النساء؛ زوجات وبنات النبي، زوجات المؤمنين. هذا يعني أنّ الإسلام يحرّر جميع اللواتي يعتنقنه.

أ.ن: كيف نميّز بين ما هو موجّه إلى زوجات النبي وما هو موجّه إلى جميع المؤمنات؟

م.ع: السورة 33، الآية 32 و33: [ يا نساء النبي لستنّ كأحد من النساء إن اتّقيتنّ فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً (32) وقرن في بيوتكن ولا تبرّجن تبرّج الجاهلية الأولى…]. الطبري يفسّر لنا أنّ معنى النص هو أن لا تبدو النساء مثل العبيد، عندما يخرجن من مساكنهن. الحرية منحت للنساء اللواتي كان وضعهن سيئاَ، هذا هو المعنى العميق والضائع للنص اليوم.

أ.ن: ما يتعلّق بزوجات النبي، اللواتي يقدمهن القرآن كنوع من نموذج للمرأة، هل يمكن أن ينطبق على جميع النساء المسلمات التوّاقات إلى الامتداد نحو الكمال؟

م.ع: على جوابي أن يكون موزّعاً على زمنين: للحديث عن المؤمنين من الجنسين، يستعمل القرآن كلمتي مؤمنين ومؤمنات: [ قل للمؤمنين (…) وقل للمؤمنات ]. عندما يتكلّم عن نساء النبي، فإنّه يستعمل كلمة أزواج. زيادة على ذلك، السورة 33، الآية 32 تشير بكل وضوح إلى أنّ نساء النبي لسن كأحد من النساء. القرآن لا يطلب من نساء المجتمع أن تتشابهن بزوجات النبي. لكن بما أنّ ذلك ليس ممنوعاً بشكل رسمي، فإنّ النساء المسلمات يمكنهن أن يجدن في زوجات النبي مثالاً يحتذين به. لكن من المهم أن يحتذين بمثال روحانية وحرية زوجات النبي، وأن لا يبحثن على التشبّه بهن دون أن تفهمن أسباب تصرفات زوجات النبي. على البحث عن الحرية وتأكيدها أن يغلبا.
مع ذلك يجب الانتباه للفكرة التي، بالنسبة لبعض النساء، ترتكز على تطبيق على أنفسهن ما ليس ممكناً إلاّ لزوجات النبي. كان محرماً عليهن، على سبيل المثال، أن يتزوجن من جديد بعد موت النبي. فهل تجد الأرملة المسلمة، بسبب تعميمها للشروط المفروضة على زوجات النبي وحدهن، أنّه من المنطقي أنّ الأرامل المسلمات لا يمكنهن الزواج من جديد؟

أ.ن: لماذا تتحجّب النساء المسلمات، في بلدان الإسلام.

م.ع: علينا إجراء هذا البحث على عدّة مستويات: التنقيب في التاريخ، التقاليد، وثقافات الشعوب. عندما نتواجد في مجال ديني بحت، على مستوى ’’المقدّسات‘‘، عندما نبحث في فرائض المؤمنين، في المباح والمحرّم، العقاب، علينا أن نبحث بصورة مطلقة في ’’روح النص‘‘، أي في الجزء الثابت منه.
في ما يتعلّق بالحجاب، هناك توجّه اليوم إلى خلط كل شيء. إنّه سلوك متّصل في أغلب الأحيان بالجهل وبقراءة النص على مستوى واحد، أي دون منحه عمقه التاريخي. رسالة الإسلام أبدية لا تنتمي إلى فترة زمنية محددة، مثل رسالة الديانتين التوحيدتين الأخرتين. لكن لا يمكننا أن نفهمها إلاّ إذا رجعنا إلى الإطار الذي أنزل فيه القرآن. هذا بالتحديد ما لا يقوم به (لم يعد يقوم به) المسلمون اليوم. بالتالي، فإنّ بعض المجانين، بعض الأصوليين، بعض المحركّين والمحرّضين من دعاة لا يعرفون شيئاً عن الإيمان، يقدّمون للجماهير الجاهلة والأمّية قراءة محدودة وموجّهة للنص. كي نمتلك الشجاعة لمناقشتها، يجب أن يكون عندنا ثقافة النقاش والمناظرة. هذا يُعلّم في العائلات وفي المدارس، بينما ليس هذا هو الحال في أغلبية بلدان الإسلام (وغير الإسلام !) اليوم. لذلك تتحجّب النساء. والرجل يبحث في مكان آخر عن ملجأ أفضل من بيئته الحالية، التي هي بيئة بؤس اقتصادي وفقر إجتماعي وثقافي. وتدريجياً، تحوّلت هذه البيئة إلى ’’بَعدٍ‘‘ مُساوَم عليه. بما أنّ الحياة على هذه الأرض صعبة وبائسة، يريد المرء أن يحفظ بَعداً أفضل. ويقدّم لله ’’ضمانات‘‘ عن سلوكه الجيد على الأرض بتطبيقه ما يقدّمه المتلاعبون والمنافقون على أنّه إيمان الإسلام، الذي حرّفوه عن معناه الأساسي و’’باعوه‘‘ اليوم تحت العنوان الوحيد للأصولية التي تحجّب المرأة وتدوّي حقدها من ’’الغرب‘‘ بصورة خاصة، ومن ’’الآخر‘‘ بصورة عامة. صراع الطبقات الذي كان يجري في قلب البلد ذاته، وفي قلب المجتمع نفسه، أصبح صراع المناطق في قلب نفس العالم المعولم. ويتجسّد ذلك، من بين جملة أمور، من خلال انحراف إسلام حُوّل عن معناه، بتأثير من الأثرياء الجهّال وتجّار البترول، في العالم الإسلامي وغيره.

أ.ن: ماذا تقولون للنساء والفتيات المسلمات المحجبات في فرنسا؟

م.ع: أولاً، إن كن يردن الادعاء أنّهن مسلمات، أطلب منهن أن يتعرفن جيداً على ديانتهن. أي على النص وتاريخه. أن يعرفن قبل أن يخترن. أن يعرفن وأن يجادلن. وأن يخترن عندما يصبحن راشدات، في العمر والمعرفة. عندئذٍ، أدعوهن إلى إعلان حريتهن.
الحرية ليست في التحجّب إن كن يردن ذلك. إنّها في إثبات حريتهن في مجتمع يفتح أمامهن طرق الحرية. إنهن فرنسيات. ويشكلن جزءاً من المجتمع الفرنسي. إن كان الحجاب يشكّل عائقاً في وجه حريتهن، أي في وجه غوصهن التام في مجتمعهن، عندئذٍ عليهن بالتفكير وبالبحث على امتلاك قيم المجتمع الفرنسي الذي ينتمون إليه. على الفتيات المسلمات أن يبحثن وأن يتكلمن عن القيم القرآنية الموجهة إلى البشرية جمعاء. ليس عليهن التركيز على الحجاب أو مواضيع أخرى مماثلة تعتمد على إطار متغيّر أكثر منه على رؤية ثابتة للعالم.

Copyright © 2024 Pierre2.net, Pierre2.org, All rights reserved.